صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
246
أنس المسجون وراحة المحزون
يوما تريك خسيس الحال ترفعه * إلى السّماء ويوما تخفض العالي « 1 » وإذا على جانب السّهم مكتوب : همذانيّ رجل متهم « 2 » مظلوم في حبسك . فبعث من فوره بعدّة من خواصّه ، ففتشوا الحبس ، والمطبق « 3 » فوجدوا شيخا في بيت من الحبس فيه سراج تسرج ، وعلى بابه بارية « 4 » مسبلة ، وهو موثق بالحديد متوجّة نحو القبلة يردّد هذه الآية وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 227 ] فسئل عن بلده ، فقال : همذان . فحمل إلى بين يدي المنصور ، فسأله عن حاله ، فذكر أنّه رجل من أبناء مدينة همذان وأرباب نعمها ، وأنّ عاملك دخل بلدنا ولي ضيعة تساوي ألف ألف درهم ، فأراد أخذها فامتنعت ، فكبّلني بالحديد ، وحملني إلى هنا ، وكتب أنّي عاص . فقال له المنصور منذكم ؟ قال : منذ أربع « 5 » سنين . فأمر بفكّ قيوده عنه ، والإحسان إليه ، وأنزله أحسن منزل ، وردّه إليه ، وقال : يا شيخ ، قد رددنا إليك ضيعتك بخراجها ما عشت وعشنا ، وأمّا مدينتك فقد ولّيناك عليها ، وأمّا الوالي فقد حكّمناك فيه ، وجعلنا أمره إليك . فجزاه الشّيخ خيرا ، ودعا له بالبقاء ، وقال : أمّا الضّيعة فقد قبلتها ، وأمّا الولاية فلا أصلح لها ، وأمّا الوالي فقد عفوت عنه . فأمر له المنصور بمال جزيل ، واستحلّه وأعاده إلى بلده بعدما صرف الوالي وعاقبه على فعله . « 638 » - وقيل : نزل النّعمان بن المنذر تحت شجرة مؤنقة ليلهو هناك
--> ( 1 ) في شرح نهج البلاغة والحماسة البصرية : يوما تريش . ( 2 ) في الأصل : ( متهما ) . ( 3 ) المطبق سجن كبير بناه المنصور ، في بغداد بين طريق باب البصرة ، وطريق باب الكوفة ، وكان المطبق متين البناء قوي الأساس بني تحت الأرض ، شديد الظلمة ، وقد ظل قائما إلى ما بعد عهد المقتدر . دليل خارطة بغداد ( 52 ) . وقد ورد في الأصل المطابق . ( 4 ) البارية : الحصير المنسوج . متن اللغة ( بري ) . ( 5 ) في الأصل : أربعة . ( 638 ) - الأغاني 2 / 96 ، 134 ، الكامل 2 / 616 .